خليل الصفدي

94

نكت الهميان في نكت العميان

وكان معه عسكر يسير يبلغ ألفي فارس وأربعة آلاف راجل ، فبلغ ذلك ملكشاه ، فأخذ هو ووزيره نظام الملك من قلعة الري خمسمائة ألف دينار وخمسة آلاف ثوب وسلاحا ، وخرجا من الري وسبقاه إلى التركمان الذين كان فاروت بك يقصدهم ، فاقتتلوا فهرب فاروت بك وأسر أولاده . فلما كان من الغد جاء إلى ملكشاه سوادي ، فقال : عمك في القرية الفلانية مع ولد له ، فابعث معي من يأخذه ، فسار إليه ملكشاه بنفسه ، وحمل إليه مقيدا ماشيا ، فأومأ إلى الأرض وقبل يد ملكشاه ، فقال له : يا عم ، كيف أنت من تعبك ؟ أما استحييت من هذا الفعل ؟ يموت أخوك ، فما قعدت في عزائه ، ولم تبعث إلى قبره ثوبا ، والغرباء قد حزنوا عليه ، فقد لقاك اللّه سوء فعلك ، فقال : ما قصدت ذلك ، ولكن كاتبنى عسكرك فجئت لأمر قضاه اللّه ، فحمل مقيدا إلى همذان . فلما كان يوم الأربعاء ثالث شعبان سنة خمس وستين وأربعمائة ، قتل فاروت بك ، خنقه رجل أعور أرمنى من أصاغر الحاشية بوتر قوى ، ثم إن ملكشاه جمع أولاده وصهره إبراهيم بن ينال ، وكحلهم بين يديه ، وقدم سلطان شاه إسحاق هذا وهو أكبر أخوته وأنجبهم ، وهو كما بقل عذاره ، فأخذ إخوته الصغار واحدا بعد واحد ، وجعل يضمه إليه ويقبله : ويقول : هذا قضاء اللّه فلا تجزعوا ، فإن الموت يأتي على جميع الناس . وكحل وكحلوا ، ومات منهم اثنان . ثم إنه اعتقل سلطان شاه في همذان سنة خمس وستين وأربعمائة ، فدبر سلطان شاه الحيلة مع بعض الموكلين ، وبعث إلى كرمان يستدعى له خيلا ، فلما جاءته فتح الموكلون السقف واستقوه ومعه أخوه ، ونزلا وركبا الخيل ولم يتبعهما أحد ، ومضيا إلى كرمان وحصلا في قلعة لأبيهما ، وسر الناس بهما ، وقام سلطان شاه مقام أبيه ، واجتمعت الكلمة عليه . وورد الخبر إلى ملكشاه عمه في جمادى الأولى ، فشغب الجند على الوزير نظام الملك ، وطالبوه بالأموال حتى فرغت الخزائن . واستمر سلطان شاه على حاله ملكا مطاعا بتلك الناحية ، وجهز أموالا عظيمة جدا إلى مكة شرفها اللّه تعالى ، شكرا للّه تعالى على نجاته . ولم يزل على حاله إلى أن توفى ، رحمه اللّه تعالى ، سنة ست وسبعين وأربعمائة . وجاءت أمه بهدايا إلى السلطان ، وألطاف ، وأموال فأكرمها وأقر أخاه مكانه ، واللّه أعلم .